أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
86
التوحيد
كان فيهما ما في هذين نحو التسخين والتبريد أنه يكون بمن جعله كذلك ، وفي ذلك إيجاب القول بالواحد . ومن يقول بأن كل واحد منهما خالق قادر فإنه لا يخلو كل واحد منهما من أن يعلم الوجه الذي يمنع الآخر عن عمله أو لا يقدر عليه أو لا ، فإن لم يعلم ولم يقدر اجتمع في النور الجهل والعجز ، وفي ذلك بطلان السبب الذي له قالوا باثنين ، وإن علم وقدر ثم لم يعمل في المنع لحقه وصف الشر . ثم لا يخلو النور من أن يعادي الظلمة أو لا ، ويحب تشاغله أو لا ، فإن كان لا يعادي ويحب فذلك شر ؛ لأن ترك عداوة العدوّ والمحبة له شر ، وإن كان يعاديه ويبغضه فالعداوة والبغض شر في المعروف من الشاهد . فإن قال : ذلك في الشاهد لثبوت الآفات ، فمثله في جميع ما أنكر من الحكمة في خلق النوعين ، ولا قوة إلّا باللّه . على أنه لا بد من الإقرار بعلم بعد الجهل في الشاهد ، وبالإحسان بعد الإساءة ، وبالندم بعد ذنب ، وبالإقرار بالإساءة بعد العقل ، وكذلك باعتقاد شيء حقا بعد أن اعتقده باطلا ؛ للوجود في الشاهد . فإمّا أن نجعل الأمرين من النور فيكون منه الجهل والإساءة والذنب والسفه وكل شيء ، فبطل قوله بالاثنين لهذا الوجه ، أو نجعل الإساءة والسفه والجهل من الظلمة ، والإقرار والإحسان والندامة من النور فيكون ذلك كذبا وتحزّبا واهتماما ، وكل ذلك عنده من فعل الظلمة فقد أثبته للنور ، ثم الإقرار بما لم يكن كذب وسفه . وإما أن يكونا من الظلمة فيكون منها خير وشر . وأيضا أن النور لا يخلو من أن يهتم للشر ، يحل بأوليائه ويحزن عليه أو لا ، فإن اهتم وحزن بطل قوله : هو كله لذة وسرور ، وإن لم يحزن بطل قوله في فعل الشر والضرر : إنه القسوة والشدة ، لا الرحمة . وذلك في القول باثنين . بم يقال له ؟ التحرك بعد السكون أو لا ، ويريد شيئا ثم ينفر عنه ويحب أمرا ثم يبغضه ، ويكلم في هذا بمثل الذي ذكرت في الفصل الأول ، واللّه الموفق . فإن زعمت الثنوية في جميع ما عارضنا من اختلاف الأحوال وتضادها أن ذلك كذلك في الشاهد لشوائب الآفات من الظلمة في جوهر النور فيرى الشيء بغير صورته وبها يقع التواتر للعلم بالأشياء . قيل : فما يبعد أن يكون قولك كذا ليس بحكمة ولا رحمة بل هو سفه وقسوة إنما كان منك لما شابك من آفات الظلمة فمنعك أن ترى كل شيء بجوهره وصورته ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم اللّه سبحانه إذ هو القادر عليه بذاته لا يعجزه شيء ، الغني بنفسه لا يحوجه شيء ، العليم بذاته لا يجوز أن يجهل شيئا ، الحكيم بذاته لا يجوز الخطأ منه في الفعل ، بطل أن يكون في خلقه تفاوت تتناقض لديه الشهادة ويتضاد فيه التدبير ، ولزم